جريدة عالم السياحة والاقتصاد، تهتم بصناعة السياحة باطيافها ، الشؤون الاقتصادية والبيئة والسياحة الدينية والمغامرة والسفر والطيران والضيافة

ذات قهوة في فم وادي الهواشم/اليتم سابقا

كتب أ.د. محمد الفرجات

387

 

كتب أ.د. محمد الفرجات

توجهت اليوم صباحا من العقبة إلى جامعتي العزيزة الحسين بن طلال، وبالتحديد إلى كلية البترا للسياحة والآثار، وكالعادة أسبح وأستغفر حيث أستغل مسافة الطريق بذلك.

مع إذاعة محمد الوكيل وصوته الجهور، وفي أول فم وادي اليتم والشمس تشرق بوجهي من ثنايا أودية جبال القرانيت والعقبة الجميلة ورائي، لفت نظري سيارة صغيرة زهرية-بنفسجية اللون واقفة وظهرها للشارع بصندوق فاتح، وفيه بوفيه صغير وشاب يلوح بصينية، فجاءت ببالي القهوة التي جذبني إليها جمال الصباح وغيوم متناثرة في سماء زرقاء صافية جميلة.

توقفت بلا تردد، ولم أحسب ما بجيبي، وطلبت قهوة وسط لأخالف جماعة “قهوة الصباح”،
فمددت يدي إلى جيبي قبل أنهي الطلب لأجد قطعة 50 دينار لا أحمل سواها بالإضافة لبطاقة الصراف، وسألت الشاب إن كان معه صرافة ليعطيني باقي الخمسين دينارا.

إعتذر مني صاحب المقهى الصغير المتنقل حيث أنه لا يملك فكة خمسين دينارا، وعلى محياه بسمة لطيفة فاستأذنته بالمغادرة، وعلى الفور صرخ بلطف معتذرا بأن لديه فكة وقد نسي ذلك، فعدت لطلبي السابق، وأسرع لتنفيذ الطلب قبل أن أحاسب.

وجاءت بعد هنيهات قهوتي تركض؛ مشتاقة تسعى إلى مشتاق، وإستقرت في المكان المخصص لها بجانبي.

ومددت الخمسين دينارا، فاعتذر مرة أخرى بلطف، وقال هذه ضيافة مني وحياك الله، وإعذرني إني أخرتك وتوصل بالسلامة.

ماذا تراني أفعل لأكافيء الشاب هيثم أبو سكيك؟، فلولا خوفي من أن محطة الوقود القادمة ليس لديها دفع عبر بطاقة الصراف، لأقسمت عليه بأن يأخذ الخمسين كاملة، فموقفه عندي لا يقدر بأموال العالم.

شكرته بعد أن سألته عن إسمه، وكان كما أوردته سابقا “هيثم أبو سكيك”، ويمثل كل شباب الأردن، ويعمل بحزم وعزم وكرم، وكلي ثقة بأنه قهر الواقع وتغلب عليه ويصنع لقمته بشرف وكبرياء.

حسنا يا هيثم، فلن أجزيك المال، بل سأتحدث عن كرم جد النبي عليه السلام عبد مناف في ذات عسرة، والذي هشم الخبز وقسمه على الفقراء والمحتاجين.

وسأتحدث عن وادي اليتم الذي يمثل السيق الذي يؤدي للعقبة عاصمة الأردن الإقتصادية، ويمثل معلما جغرافيا بيئيا جيولوجيا فريدا من نوعه، وأما عمر صخور القرانيت التي تحيط به فتصل نحو 550 مليون عام من ما قبل عصر الكامبري، وكان خزان الوادي الجوفي قبل الديسة هو منطقة الآبار التي تسقي العقبة، وما زال يسوق ماءه كل شتاء ليروي حوض العقبة سطحيا وجوفيا، في منظومة بيئية رائعة، جاءت بشكل مفصل وكجزئية بدراستي للدكتوراة عام ٢٠٠٢ في جامعة فورتسبوغ/ألمانيا.

فقررت يا هيثم أن أعمل ما بوسعي لعلي أقنع أصحاب العلاقة بتغيير إسم هذا الوادي العزيز علينا، فبدلا من أن يكون إسمه مرتبطا باليتم والموت والحرمان، فليكن “وادي الهواشم”، ولتكن يا هيثم شعارا لكل شاب طموح لا يستسلم.