جريدة عالم السياحة والاقتصاد، تهتم بصناعة السياحة باطيافها ، الشؤون الاقتصادية والبيئة والسياحة الدينية والمغامرة والسفر والطيران والضيافة

المشير حابس المجالي: حارسُ القدس وأسدُ الكرامة الخالد ​بقلم: محمد الميناوي

374

المشير حابس المجالي: حارسُ القدس وأسدُ الكرامة الخالد

​بقلم: محمد الميناوي

 

مقالات_​حين يصدح صوت المهباش في فيافي الكرك، وتختلط رائحة الهيل ببارود البنادق، يبرز اسمٌ واحدٌ يختصر تاريخ العسكرية الأردنية وبطولاتها؛ إنه المشير حابس رفاض المجالي. ولد “أبو سطام” في عام ألف وتسعمائة وعشرة، في قلب الجنوب الأردني الشامخ، ونشأ في بيئةٍ لا تعرف إلا الفروسية والأنفة. رضع حابس حب الوطن مع حليب العزة، فالتحق بالقوات المسلحة الأردنية (الجيش العربي) في عام ألف وتسعمائة واثنين وثلاثين، ليبدأ مسيرةً من البطولة لم تكن مجرد وظيفةٍ عسكرية، بل كانت “عشقاً صوفياً” لتراب الأردن وفلسطين.

 

​لم يكن حابس المجالي قائداً عسكرياً عادياً، بل كان رمزاً للثبات والشكيمة. عُرف بشخصيته القيادية الفذة وقدرته على كسب قلوب جنوده قبل عقولهم؛ فكان معهم في الخنادق قبل المكاتب، يتقاسم معهم كسرة الخبز وحلم التحرير. هو الرجل الذي جمع بين فروسية البادية وعلم العسكرية الحديثة، فاستحق أن يكون أول أردني يتربع على قمة الهرم العسكري بلقب “مشير”، وهو اللقب الذي ناله بجدارةٍ لم يختلف عليها اثنان.

 

​بطلُ اللطرون وباب الواد: حامي حمى القدس ⚔️🛡️ 🇵🇸

 

​إذا فُتح سجل البطولات العربية في فلسطين، فسيُكتب اسم حابس المجالي بماء الذهب في معارك عام ألف وتسعمائة وثمانية وأربعين. في “اللطرون” و”باب الواد”، قاد حابس كتيبة المشاة الرابعة، التي عُرفت بـ “الكتيبة الرابحة”، وسطر هناك ملاحم تدرس في الكليات العسكرية العالمية. استطاع حابس وجنوده الأبطال دحر القوات الصهيونية المعتدية، ومنعهم من دخول القدس، بل وأسر المئات منهم، وكان من بينهم “ديفيد بن غوريون” نفسه (الذي أطلق صراحه لاحقاً في عملية تبادل).

 

​كان حابس ينظر إلى القدس كأمانةٍ هاشميةٍ في عنقه؛ فكان يقاتل بضراوة الأسود، مردداً أهزوجه الشهيرة التي كانت تبث الرعب في قلوب الأعداء. لم تكن اللطرون مجرد معركة، بل كانت إثباتاً للعالم أجمع أن الجندي الأردني، بقيادة حابس، يمتلك عقيدةً قتاليةً لا تُقهر. وظل المشير طوال حياته يفخر بتلك الأيام، معتبراً أن تراب فلسطين هو توأمٌ لتراب الأردن، لا ينفصلان أبداً في قلبه وعقله.

 

​عصا الحسين الغليظة ودرعُ المملكة الحصين 🇯🇴⚔️

 

​في عهد المغفور له الملك الحسين بن طلال، كان حابس المجالي هو “الرجل القوي” والسند المتين للعرش والوطن. تولى منصب القائد العام للقوات المسلحة في أصعب الظروف التي مر بها الأردن، وكان دائماً عند حسن ظن القيادة والشعب. في أحداث السبعينات الأليمة، كان حابس هو الدرع الذي حمى المؤسسات وصان هيبة الدولة، متمسكاً بالشرعية الهاشمية ومدافعاً عن أمن الأردنيين جميعاً بحزمٍ لا يلين ولينٍ لا يضعف.

 

​لم يكن حابس يوماً رجل سياسةٍ بالمعنى الضيق، بل كان رجل “سيادة”؛ يؤمن بأن قوة الأردن في قوة جيشه ووحدة شعبه خلف قيادته. تقلد مناصب رفيعة، فكان وزيراً للدفاع وعضواً في مجلس الأعيان، لكنه ظل يفضل لقب “الجندي” قبل كل شيء. كان الحسين العظيم يثق بحابس ثقةً مطلقة، ويراه “أخاً ورفيق سلاح”، فكان المشير هو المستشار الأمين الذي لا يجامل في أمن الوطن، والذراع الذي يضرب به الملك كل من تسول له نفسه العبث باستقرار المملكة.

 

​الشاعر الفارس والترجل الأخير 🖋️🥀 🫡

 

​خلف تلك القطعة العسكرية الصارمة، كان يسكن قلب شاعرٍ مرهف وحكيمٍ بدويٍ أصيل. كان حابس ناظماً للشعر النبطي، يفيض شعره بحب الأرض والكرك والملك، وظلت قصائده وساماً يتغنى به الأردنيون في أفراحهم وأتراحهم. كان حابس مدرسةً في الأخلاق العربية الأصيلة، يُكرم الضيف، ويغيث الملهوف، ويجبر الخواطر بكلمته الطيبة وابتسامته التي لم تكن تفارق وجهه رغم قسوة المعارك.

 

​وفي نيسان من عام ألفين وواحد للميلاد، ترجل الفارس عن صهوة جواده، وارتقى المشير حابس المجالي إلى رحاب ربه، تاركاً الأردن يرتدي ثوب الحزن على فراق واحدٍ من أوفى أبنائه. شُيع في جنازةٍ عسكريةٍ مهيبة، تليق ببطلٍ عاش للأردن ومات من أجله. رحل حابس الجسد، لكن حابس “الأسطورة” سيظل باقياً في ذاكرة كل طفلٍ أردني، يروي قصة بطلٍ لم ينحنِ إلا لخالقه، وظل سيفاً مسلولاً في وجه الأعادي، ونبعاً من الوفاء لا ينضب.

 

​محمد الميناوي