جريدة عالم السياحة والاقتصاد، تهتم بصناعة السياحة باطيافها ، الشؤون الاقتصادية والبيئة والسياحة الدينية والمغامرة والسفر والطيران والضيافة

كتب معالي الدكتور نضال القطامين : يحيى السعود، فارس الوطن المترجّل ..

635

على نحو فاجع، يذهب الحِمَام بالطيب يحيى السعود. كارثة جديدة على الطريق الطويل، يرحل فيها رجل المجتمع والوطن القوي، ويترك إرثا كبيرا من خدمة الناس والأوطان.

رآه الناس عبر سني حياته في العمل العام، نموذجا مختلفا للتمازج العميق بين الشعبين، كان واحدا من أهل “الحي” الذين قاتلوا لأجل فلسطين وشهدائها وقضيتها، فحمله الناس من مختلف الجهات ثلاث مرات نائبا ومقاتلا.

أفلت من معارك كثيرة، لم يكن يهمه فيها الربح والانتصار، كان نسيج وحده، ونموذجا استثنائيا لأولئك الذين تنكّبوا درب الصحراء وقصدوا عمّان.

جمعني به، منذ يومين، موعد غداء، رأيته كما لم أره من قبل، يمتلئ حماسا ويتهيأ لخدمة الناس والوطن. مال الحديث إلى الطفيلة وعيمة، وتذكرنا معا، كيف كانت عيمة محطة هامة في تاريخ ابو نضال التربوي وكيف انطلق منها نحو بعثة دراسية في مصر.

دون مقدمات، يرحل على نحو فاجع، آيبا من عيمة إلى الحيّ، وقد تسنّت له فرصة وداع الكروم على امتداد وادي صافح، تلك التي حمل بعضا من شذاها فأودعها تلال عمان، لعلها كانت فرصة سانحة، ليقول للبساتين التي أشبعها حراثة وقطفا، وداعا.

كانت عيمة آخر القرى التي رآها، ولعيمة وللوطن علينا حق كبير، في العزاء لراحلها المشاكس، ذاك الذي كان يملأ الفضاءات بالشغب الجميل، ويحمل في أوراقه هموم الناس وقضاياهم.

يرحل وفي جسده ندوب من مواقف رجولة وبعض صباحات في سوق السكّر حيث كان ينشد مع أقرانه أغاني الحصاد في التلال، فيحمل لأهله قوت يومهم ويخلد لنهار جديد.

كان على مر السنين، زميلا عزيزا، في مجلس النواب وخصما شريفا عندما كنت في الحكومة، وقبل ذلك وبعده، محاميا بارعا، تفيض أوراقه وقلبه بحب العمل وخدمة الناس، رجل موقف ورجل حزم، وقد رسم الناس صورته الأولى دون روّية، وألبسوه رداء الشدة والحزم، لكنه يملك قلبا طيبا حنونا، وقد مارس عمله النيابي باقتدار، اختلف واتفق، ورفع عقيرته بالصوت العالي للوطن ولفلسطين، كان مختلفا فذّا فريد، وكانت وقفاته تحمل وجهها الوطني في كل حين.

يرحل أبو محمد ويترك في النفس حسرة، على القامات الوطنية السامقة، تلك التي صنعت بقوة وحزم موطئ قدم للكادحين، ومنحت من كان يكدّ في الأرض فرص العمل السياسي الوفيرة، فتساوت الأيدي والأقلام وكان ميزانها الوحيد حب الوطن وحب الناس.

يودعنا أبو محمد، وهو يرفع يديه وصوته، لأهله الذين تقاسم معهم مر الحياة وحلوها، لجمهوره العريض الذي كان يستعد للاحتفال به نائبا وخادما، أن كل شيء في هذه الأرض في مكانه، الأشجار اليانعة، واختلاف الساسة، وجهد الكفاح، ضد الجهل والحرية والموقف.

ولك نقول أيها الكريم، أبا محمد، نحن أدرى وقد ودعت أهلنا هناك، عن أسئلتك، الهوية الوطنية ودم الشهداء في فلسطين، وقراع الخطوب ، نحن أدرى وقد سألنا بعيمة، أطويل طريقنا أم يطول، كلما رحب بنا الوادي قلنا الطفيلة قصدنا، وأنت السبيل…

يرحم الله روحك الطيبة وشقيقك، ويحفظ أبناءك، ويجزل الأجر للطفيلة الباكية وللوطن الباكي على رحيلك، وإنا لله وإنا إليه راجعون.