جريدة عالم السياحة والاقتصاد، تهتم بصناعة السياحة باطيافها ، الشؤون الاقتصادية والبيئة والسياحة الدينية والمغامرة والسفر والطيران والضيافة

كتب فادي ابو عريش: السياحة والتضحيات؟

432

مع كامل الاحترام لجميع الجهود المبذولة لدعم القطاع السياحي، إلا أن من الضروري اليوم إعادة تقييم الأولويات وآليات الإنفاق السياحي بطريقة واقعية تخدم الاقتصاد الوطني والقطاع السياحي بكافة مكوناته، وخصوصاً السياحة الوافدة التي تُعتبر المصدر الرئيسي للعملة الصعبة والداعم الحقيقي لمعظم القطاعات السياحية والخدمية في المملكة.اضافة اعلا

برنامج «أردننا جنة» بلا شك ساهم في تنشيط الحركة الداخلية، ولكن علينا أن نكون واضحين بأن البرنامج يُموّل بملايين الدنانير من ميزانية وزارة السياحة وهيئة تنشيط السياحة، وهي الجهة التي أُنشئت أساساً للتسويق الخارجي واستقطاب السياحة الأجنبية إلى الأردن. وتشير البيانات الرسمية إلى أن مخصصات البرنامج في بعض الأعوام وصلت إلى نحو 6 ملايين دينار، إضافة إلى حزم دعم ومصاريف تشغيلية وتسويقية مستمرة.

 

في المقابل، فإن أي تخفيض أو إعادة توجيه لميزانيات التسويق الخارجي ينعكس بشكل مباشر على قدرة الأردن في المنافسة عالمياً، خصوصاً في ظل الظروف السياسية الصعبة التي تمر بها المنطقة، وارتفاع تكاليف الطيران، والمنافسة الشرسة من الأسواق الإقليمية المجاورة التي تضخ ميزانيات ضخمة لاستقطاب السائح الأجنبي.

 

السائح الأجنبي لا يؤثر فقط على الفنادق أو المكاتب السياحية، بل ينعكس أثره الاقتصادي على سلسلة طويلة من القطاعات، تشمل:

 

* الفنادق بكافة تصنيفاتها

* النقل السياحي والطيران

* المطاعم والمقاهي

* الأدلاء السياحيين

* الأسواق التجارية والحرف اليدوية

* المواقع الأثرية

* شركات الخدمات اللوجستية

* المجتمعات المحلية في المحافظات

 

والأهم أن السائح الوافد يضخ عملة صعبة مباشرة في الاقتصاد الوطني، حيث بلغت مساهمة القطاع السياحي أكثر من 14% من الناتج المحلي الإجمالي في السنوات المستقرة، بعوائد تجاوزت مليارات الدنانير سنوياً.

 

في حين أن السياحة الداخلية، رغم أهميتها الاجتماعية والاقتصادية، تبقى في النهاية إعادة تدوير للإنفاق داخل السوق المحلي، ولا يمكن مقارنتها من حيث الأثر الاقتصادي المباشر بالسياحة الوافدة التي تُعتبر قطاع تصدير حقيقي للخدمات الأردنية إلى الخارج.

 

المشكلة الحقيقية ليست في دعم السياحة الداخلية بحد ذاته، بل في تضخيمه على حساب التسويق الخارجي والسياحة الوافدة، وفي تقديمه أحياناً كإنجاز استراتيجي، بينما تعاني شركات السياحة الوافدة والفنادق والنقل السياحي من ضغوط وتراجع حاد في الأعمال.

 

ما نحن بحاجة إليه اليوم هو:

 

* إعادة توجيه الإنفاق نحو التسويق الخارجي واستقطاب السياحة الوافدة

* دعم خطوط الطيران والحفاظ على الأسواق التقليدية للأردن

* وضع خطط إنقاذ حقيقية لشركات السياحة الوافدة

* وقف الهدر المالي وإعادة ترتيب الأولويات وفق أثر اقتصادي مباشر

* المحافظة على البنية التحتية لقطاع السياحة، وعلى رأسها مكاتب وشركات السياحة الوافدة، باعتبارها حجر الأساس في استمرارية القطاع

* الحفاظ على الكفاءات والعاملين في القطاع السياحي وعدم خسارة الخبرات التي بُنيت عبر عشرات السنين

* حماية الاستثمارات السياحية التي استنزفت خلال السنوات العجاف الممتدة من عام 2020 وحتى 2026، والتي شهدت أزمات متلاحقة بدأت بتداعيات الربيع العربي، مروراً بجائحة كورونا، ثم الحرب على غزة، والتوترات الإيرانية الأمريكية، والتقلبات الاقتصادية الحادة التي أثرت بشكل مباشر على حركة السفر والسياحة

* الأخذ بعين الاعتبار حجم القروض والالتزامات المالية التي تحملتها الشركات السياحية للحفاظ على استمراريتها ورواتب موظفيها وبنيتها التشغيلية خلال تلك السنوات الصعبة

* حماية قطاع ضخم يشغل آلاف العائلات الأردنية ويشكل أحد أهم القطاعات ذات التأثير الإيجابي المباشر على الاقتصاد الوطني

 

للأسف، هناك شعور متزايد داخل القطاع بأن حجم هذه التضحيات والاستثمارات التي كلفت ملايين الدنانير لم يُؤخذ بعين الاعتبار بالشكل الكافي لدى بعض الجهات الرسمية وصناع القرار، رغم أن انهيار أي جزء من هذه المنظومة سيؤدي إلى خسائر طويلة الأمد يصعب تعويضها مستقبلاً.

 

اليوم نحن لا نتحدث فقط عن شركات، بل عن منظومة اقتصادية وطنية متكاملة، وعن استثمارات وخبرات وسمعة دولية بُنيت عبر عقود طويلة، وعن قطاع كان وما زال يمثل واجهة الأردن الحضارية والاقتصادية أمام العالم.

 

هذا رأيي المتواضع، ومن باب الحرص على مصلحة الأردن وقطاعه السياحي واقتصاده الوطني.

 

د. فادي طه أبوعريش

صاحب مجموعة الثريا للسياحة والسفر ، عضو مجلس إدارة جمعية شركات ومكاتب السياحة والسفر الأردنية، ممثل قطاع السياحة الوافد