كتب محمود الدويري :تأشيرات بمبالغ ضخمة، عطاءات تحتاج إلى التدقيق، وأسئلة مشروعة حول معايير التقييم وآلية اتخاذ القرار
الحج بين قدسية الشعيرة (وأسئلة النزاهة)
الحج بين قدسية الشعيرة وأسئلة النزاهة
سياحة دينية -تأشيرات بمبالغ ضخمة، عطاءات تحتاج إلى التدقيق، وأسئلة مشروعة حول معايير التقييم وآلية اتخاذ القرار
ليس هذا المقال اتهامًا لأحد، ولا حكمًا مسبقًا على أي مسؤول أو شركة أو جهة.
لكنه سؤال رقابي مشروع، بل وأسئلة كثيرة، فرضتها شكاوى ومعلومات ووقائع متداولة في قطاع الحج والعمرة، وتستوجب أن تتولى الجهات الرقابية المختصة التحقق منها بعيدًا عن المجاملات أو الضغوط أو الحسابات الشخصية.
فملف الحج ليس ملفًا تجاريًا عاديًا.
إنه ملف يرتبط بشعيرة دينية، وحقوق مواطنين، وأموال عامة وخاصة، وقرارات إدارية، وتأشيرات، وعطاءات، وشركات، ولجان تقييم وإحالة.
ولهذا فإن أي شبهة تتعلق بهذا الملف لا ينبغي أن تُدفن في الأدراج، كما لا يجوز تحويلها إلى إدانة مسبقة.
الحل الوحيد هو التحقيق.
أين تبدأ الحكاية؟
تتحدث شكاوى ومعلومات وصلت إلى جهات عاملة في قطاع السياحة والسفر عن وجود تساؤلات جدية حول آلية منح بعض تأشيرات الحج، ولا سيما تأشيرات السائقين ومعاوني السائقين.
وتتحدث المعلومات المتداولة عن أعداد كبيرة من التأشيرات، وعن أشخاص تثار تساؤلات حول مدى استيفائهم للشروط، وعن أسماء قيل إنها لم تمر بجميع مراحل التسجيل المعتادة.
كما تتحدث بعض الادعاءات عن مبالغ مالية مرتفعة قيل إنها دفعت مقابل الحصول على بعض التأشيرات، وصلت — وفق ما ورد في الشكاوى — إلى أكثر من خمسة آلاف دينار للتأشيرة الواحدة في بعض الحالات.
مرة أخرى:
هذه ليست أحكامًا قضائية، وليست حقائق نعلن ثبوتها.
لكنها ادعاءات خطيرة بما يكفي لتستحق سؤالًا واحدًا:
لماذا لا يتم التحقيق فيها بصورة مستقلة؟
أكثر من 1200 تأشيرة للسائقين ومعاوني السائقين
من أبرز الملفات التي تحتاج إلى تدقيق ملف تأشيرات السائقين ومعاوني السائقين، حيث ترد معلومات عن أكثر من 1200 تأشيرة ضمن هذه الفئة.
وهنا لا يكفي أن يكون الاسم موجودًا في كشف رسمي.
السؤال هو:
هل كان الشخص سائقًا بالفعل؟
هل يحمل الفئة المناسبة من رخصة القيادة؟ منح تأشيرة بلا ترخيص واعتبر ايه كسا يق حافلة وله لا يملك رخصة وخالف التعليمات والشروط
هل كان مرتبطًا بشركة النقل التي رشحته؟
هل كانت هناك حافلة فعلية مرتبطة به؟
هل كان يعمل ضمن الموسم؟
ومن أدخل اسمه إلى النظام؟
ومن اعتمده؟
ومتى تم إدخاله؟
وهل كان مسجلًا أصلًا ضمن الإجراءات المعتادة؟
هذه أسئلة تستطيع السجلات الإجابة عنها.
فإذا كانت الأنظمة الإلكترونية تحفظ تاريخ الإدخال والتعديل والاعتماد، فإن كشف الحقيقة لا يحتاج إلى تخمين.
يحتاج إلى استخراج البيانات.
التأشيرة التي تظهر فجأة
الأخطر هو الادعاء بوجود أشخاص لم يكونوا، بحسب المعلومات الواردة، ضمن قوائم التسجيل المعتادة، ثم ظهروا لاحقًا كحاصلين على تأشيرات حج.
إذا كان ذلك صحيحًا، فالسؤال ليس من هو الشخص فقط.
السؤال:
كيف دخل اسمه إلى النظام؟
ومن أدخله؟
ومن اعتمده؟
وهل كان هناك استثناء؟
ومن منح الاستثناء؟
وما أساسه القانوني؟
وهل طبقت القاعدة ذاتها على مواطنين آخرين؟
هنا تظهر أهمية التدقيق الإلكتروني.
فكل عملية إلكترونية تترك أثرًا.
والتحقيق المهني يستطيع أن يعيد بناء التسلسل الزمني للمعاملة من لحظة إدخال الاسم حتى إصدار التأشيرة.
وماذا عن الحديث عن مكتب الوزير؟
تتضمن بعض الشكاوى والمعلومات المتداولة إشارات إلى تدخلات أو ترشيحات قيل إنها ارتبطت بمكاتب أو جهات قريبة من مسؤولين، ومن بينها ما نُسب إلى مكتب مسؤول
وهنا يجب أن نكون واضحين:
مجرد ورود اسم مكتب مسؤول في شكوى لا يعني ارتكاب المسؤول مخالفة.
لكن في المقابل، لا ينبغي أن يكون اسم المسؤول سببًا يمنع التدقيق.
إذا كان هناك توجيه، فليظهر في الوثائق.
إذا كان هناك ترشيح، فليظهر في السجلات.
إذا كان هناك استثناء، فليظهر أساسه.
إذا لم يكن هناك شيء من ذلك، فإن التحقيق سيقول ذلك بوضوح.
المطلوب ليس إدانة الوزير، ولا تبرئته مسبقًا؛ المطلوب معرفة ما حدث.
والقاعدة يجب أن تكون واحدة على الجميع:
لا حصانة إدارية أمام التدقيق، ولا إدانة بلا دليل.
هل كانت التأشيرات تُباع؟
هذه واحدة من أخطر النقاط التي تتطلب تحقيقًا ماليًا متخصصًا.
إذا كان هناك شخص يقول إنه دفع آلاف الدنانير للحصول على تأشيرة، فالمطلوب ليس الاكتفاء بأقواله
يجب تتبع
كيف تم الدفع؟
هل هناك منفعة غير مالية؟
هل توجد علاقة بين المستفيد والجهة التي رشحته؟
هذه ليست أسئلة إعلامية.
هذه أسئلة تحقيق مالي.
وإذا لم تثبت الادعاءات، فلتظهر الحقيقة.
أما إذا أثبتتها المستندات والحسابات، فهنا يجب أن يأخذ القانون مجراه.
العطاءات: هل ننافس على السعر الحقيقي أم على طريقة توزيع السعر؟
الجانب الآخر من القضية يتعلق بالعطاءات الخاصة بخدمات المعتمرين، وبشكل خاص فصل تذاكر الطيران عن باقي مكونات الخدمة.
وهنا نصل إلى سؤال شديد الأهمية:
هل كانت الشركات تتنافس على السعر الحقيقي للخدمة كاملة؟
أم أن تصميم العطاء سمح بخفض السعر في بند يدخل في المنافسة، ثم استرداد هذا التخفيض من بند آخر؟
إذا كان المعتمر يدفع في النهاية تكلفة إجمالية معينة، فمن المنطقي رقابيًا أن تتم مقارنة التكلفة الإجمالية الحقيقية بين المتنافسين، لا أن تتم مقارنة أجزاء منفصلة بطريقة قد تخفي الفروق الحقيقية.
مثال بـ800 ألف دينار
لنأخذ مثالًا حسابيًا افتراضيًا فقط.
لو خفضت شركة أحد البنود بمقدار 50 دينارًا للفوز بأفضلية في التقييم، ثم قامت بشراء تذكرة الطيران بـ210 دنانير وبيعها أو تحميل المعتمر 340 دينارًا، فإن الفارق يبلغ 130 دينارًا.
وبعد احتساب التخفيض البالغ 50 دينارًا، يبقى نظريًا 80 دينارًا.
وعند 10 آلاف معتمر:
80 × 10,000 = 800,000 دينار.
هذا المثال لا يعني أن هذا الأمر حدث فعليًا.
لكنه يوضح لماذا يجب أن يكون التدقيق المالي قائمًا على:
سعر العطاء + التكلفة الفعلية + سعر الشراء + السعر الذي دفعه المواطن + هامش الربح.
فالمنافسة العادلة لا ينبغي أن تسمح بأن يكون السعر المنخفض مجرد بوابة للفوز، ثم يتم تعويضه في مكان آخر خارج جوهر التقييم.
ومن وضع معايير التقييم؟
هذا ربما يكون السؤال الأهم في ملف العطاءات.
من كتب شروط العطاء؟
من وضع معايير التقييم؟
من حدد الأوزان؟
لماذا أعطي السعر هذا الوزن؟
ولماذا أعطي الجانب الفني ذلك الوزن؟
هل كانت المعايير معلنة مسبقًا؟
هل طبقت على الجميع بالطريق نفسها؟
كم علامة حصلت عليها كل؟
ولماذا؟
هل هناك شركة فازت بفارق بسيط؟
هل كان الفارق بسبب السعر؟
أم بسبب معيار فني؟
وهل كان هذا المعيار موضوعيًا وقابلًا للقياس
هذه التفاصيل هي التي تكشف إن كانت المنافسة حقيقية أم أن طريقة تصميم العطاء نفسها منحت أفضلية غير مباشرة.
تكرار فوز شركة معينة ليس جريمة
لكن تكرار الإحالة إلى الجهة نفسها يستحق التحليل.
قد تكون الشركة الأفضل فعلًا.
وقد تكون الأكثر قدرة وخبرة.
وقد تكون عروضها هي الأفضل.
لكن ماذا لو تزامن تكرار الفوز مع تغييرات في شروط العطاء؟
أو مع استبعاد متنافسين؟
أو مع فروق غير مفهومة في التقييم؟
أو مع فروق كبيرة بين الأسعار؟
أو مع وجود علاقات أو تضارب مصالح؟
هنا يصبح التكرار مؤشرًا يستحق الدراسة وليس دليل إدانة.
والحل بسيط:
افحصوا السنوات الخمس الماضية.
ضعوا كل العطاءات أمام بعض.
قارنوا الشروط.
قارنوا الأسعار.
قارنوا العلامات.
قارنوا أسباب الاستبعاد.
قارنوا أسماء أعضاء اللجان.
ثم اتركوا الأرقام تتحدث.
لا نريد محاكمة إعلامية
لا نريد أن تتحول هذه القضية إلى محكمة إعلامية.
ولا نريد اتهام مسؤول لمجرد أن اسمه ورد في شكوى.
ولا نريد إدانة شركة لمجرد أنها فازت بعطاء.
ولا نريد ظلم أي موظف أو مواطن أو شركة.
لكن في المقابل، لا يجوز أن يكون الخوف من الاتهام سببًا لإغلاق باب التحقيق.
التحقيق المستقل يحمي البريء كما يكشف المخالف.
وإذا كانت كل الإجراءات سليمة، فإن التحقيق سيكون أفضل رد على الشائعات.
أما إذا كشفت الوثائق عن تجاوزات، فإن عدم التحقيق يصبح هو المشكلة.
المطلوب الآن
المطلوب ليس حملة ضد وزارة الأوقاف.
وليس استهدافًا لوزير أو مدير أو شركة.
المطلوب هو:
فتح الملفات.
فحص التأشيرات.
مطابقة رخص السائقين.
تدقيق أكثر من 1200 تأشيرة بحسب المعلومات الواردة.
مراجعة سجلات النظام الإلكتروني.
معرفة من أدخل الأسماء ومن عدلها ومن اعتمدها.
تدقيق الأموال والمدفوعات.
مراجعة العقود.
مراجعة العطاءات.
مراجعة معايير التقييم.
مراجعة الأسعار.
مراجعة تكلفة تذاكر الطيران.
مقارنة العروض.
تحليل أسباب الإحالات.
والتحقق من أي تضارب مصالح أو تدخلات خارج الإطار الرسمي.
ثم إعلان النتيجة وفق القانون.
كلمة أخيرة
الحج عبادة.
والتأشيرة ليست سلعة.
والمال العام ليس ملكًا لأحد.
والعطاء العام ليس مجالًا للمحاباة.
والوظيفة العامة ليست وسيلة لمنح الامتيازات.
وفي دولة القانون، لا ينبغي أن يخاف أحد من التحقيق إذا كان بريئًا، ولا ينبغي أن يفلت أحد من المساءلة إذا ثبتت مسؤوليته.
لذلك فإن المطلب اليوم ليس إصدار حكم.
المطلب هو فتح تحقيق.
تحقيق لا يعرف اسمًا كبيرًا ولا شركة كبيرة
تحقيق لا يبدأ من النتيجة التي يريدها أحد.
تحقيق يبدأ من السؤال
ماذا حدث فعلًا؟
ثم يترك للوثائق والأنظمة والأرقام واللجان المختصة أن تجيب.
فإن كانت الإجراءات سليمة، فليُعلن ذلك.
وإن كانت هناك مخالفات، فليتحمل كل مسؤول مسؤوليته.
وفي الحالتين، يكون الرابح الأول هو المواطن، والحاج، وسمعة مؤسسات الدولة، وهيبة القانون